محمد بن جرير الطبري
132
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
خالدا أبا الفضل ، قال : سمعت الحسن تلا هذه الآية : فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ . . . إلى قوله : وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً قتل النفس ثم قال : عظم والله في الوزر كما تسمعون ، ورغب والله في الأجر كما تسمعون إذا ظننت يا ابن آدم أنك لو قتلت الناس جميعا فإن لك من عملك ما تفوز به من النار ، كذبتك والله نفسك ، وكذبك الشيطان . حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن فضيل ، عن عاصم ، عن الحسن في قوله : فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً قال : وزرا وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً قتل النفس قال : أجرا . وأولى هذه الأقوال عندي بالصواب قول من قال : تأويل ذلك أنه من قتل نفسا مؤمنة بغير نفس قتلتها فاستحقت القود بها والقتل قصاصا ، أو بغير فساد في الأرض ، بحرب الله ورسوله وحرب المؤمنين فيها ، فكأنما قتل الناس جميعا فيما استوجب من عظيم العقوبة من الله جل ثناؤه قتل النفس ، كما أوعده ذلك من فعله ربه بقوله : وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً وأما قوله : وَمَنْ أَحْياها فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً فأولى التأويلات به قول من قال : من حرم قتل من حرم الله عز ذكره قتله على نفسه ، فلم يتقدم على قتله ، فقد حيي الناس منه بسلامتهم منه ، وذلك إحياؤه إياها . وذلك نظير خبر الله عز ذكره عمن حاج إبراهيم في ربه ، إذ قال له إبراهيم : رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ فكان معنى الكافر في قيله : أنا أحيي وأميت : أنا أترك من قدرت على قتله ؛ وفي قوله : وأميت : قتله من قتله . فكذلك معنى الإحياء في قوله : وَمَنْ أَحْياها من سلم الناس من قتله إياهم ، إلا فيما أذن الله في قتله منهم فَكَأَنَّما أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وإنما قلنا ذلك أولى التأويلات بتأويل الآية ، لأنه لا نفس يقوم قتلها في عاجل الضر مقام قتل جميع النفوس ، ولا إحياؤها مقام إحياء جميع النفوس في عاجل النفع ، فكان معلوما بذلك أن معنى الإحياء : سلامة جميع النفوس منه ، لأنه من لم يتقدم على نفس واحدة ، فقد سلم منه جميع النفوس ، وأن الواحدة منها التي يقوم قتلها مقام جميعها إنما هو في الوزر ، لأنه لا نفس من نفوس بني آدم يقوم فقدها مقام فقد جميعها وإن كان فقد بعضها أعم ضررا من فقد بعض . القول في تأويل قوله تعالى : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ رُسُلُنا بِالْبَيِّناتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ وهذا قسم من الله جل ثناؤه أقسم به ، إن رسله صلوات الله عليهم قد أتت بني إسرائيل الذين قص الله قصصهم وذكر نبأهم في الآيات التي تقدمت من قوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ إلى هذا الموضع . بِالْبَيِّناتِ يعني : بالآيات الواضحة ، والحجج البينة على حقية ما أرسلوا به إليهم وصحة ما دعوهم إليه من الإيمان بهم وأداء فرائض الله عليهم ، يقول الله عز ذكره : ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ يعني أن كثيرا من بني إسرائيل ، والهاء والميم في قوله : ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ من ذكر بني إسرائيل ، وكذلك ذلك في قوله : وَلَقَدْ جاءَتْهُمْ بعد ذلك ، يعني بعد مجيء رسل الله بالبينات في الأرض . لَمُسْرِفُونَ يعني : أنهم في الأرض لعاملون بمعاصي الله ، ومخالفون أمر الله ونهيه ، ومحادو الله ورسله ، باتباعهم أهواءهم وخلافهم على أنبيائهم ؛ وذلك كان إسرافهم في الأرض . القول في تأويل قوله تعالى : إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حد المحارب وهذا بيان من الله عز ذكره عن حكم الفساد في الأرض الذي ذكره في قوله : مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ أعلم عباده ما الذي يستحق المفسد في الأرض من العقوبة والنكال ، فقال تبارك وتعالى : لا جزاء له في الدنيا إلا القتل والصلب وقطع اليد والرجل من خلاف أو النفي من الأرض ، خزيا لهم ؛ وأما في الآخرة إن لم يتب في الدنيا فعذاب عظيم . ثم اختلف أهل التأويل فيمن نزلت هذه الآية . فقال بعضهم : نزلت في قوم من أهل الكتاب ، كانوا أهل موادعة لرسول الله صلى الله